دراسة: الشعور بالندم والغضب يقلّ مع التقدّم بالعمر
كيف يمنحنا التقدّم في السن سلاما نفسيا مع أخطاء الماضي؟..
توصّلت دراسة حديثة إلى أنّ كبار السنّ يشعرون بندم أقلّ تُجاه القرارات الحديثة مقارنة بالشباب، كما أنّهم يتعاملون مع أخطاء الماضي بدرجة أقلّ من الغضب والإحباط، مُوضّحة أنّ الندم ربما لا يختفي مع التقدم في العمر، لكن يبدو أن تقل وطأته العاطفية بمرور الزمن.
وسلّطت الدراسة المنشورة في دورية الجمعية الأمريكية لعلم النفس، الضوء على الطريقة التي يعيد بها العمر والزمن تشكيل علاقة الإنسان النفسية بقراراته السابقة، وخلصت إلى أنّ الندم ربما يتحول مع التقدم في السنّ من شعور مؤلم إلى أداة للتأمل واستخلاص المعنى.
ويعد الندم من أكثر المشاعر الإنسانية شيوعاً وتعقيداً، فهو يرتبط غالباً بالتفكير في فرص ضائعة أو قرارات يعتقد صاحبها أنه ما كان يجب عليها اتخاذها، وقد يشمل ذلك اختيارات شخصية وعاطفية ومهنية، مثل إنهاء علاقة مهمة، أو عدم استكمال الدراسة، أو تفويت فرصة وظيفية.
وشملت الدراسة 90 شخصاً بالغاً من الولايات المتحدة تتراوح أعمارهم بين 21 و89 عاماً؛ وطلب الباحثون من المشاركين كتابة ما يصل إلى 5 مواقف شعروا فيها بالندم، خلال العام الماضي، و5 مواقف قديمة في حياتهم.
بعد ذلك، طلب الباحثون من كل مشارك التركيز على أهم ندم طويل الأمد وأهم ندم حديث، ثم وصفهما بالتفصيل وتقييم المشاعر المرتبطة بهما.
وشملت التقييمات أسئلة بشأن شدة المشاعر التي يثيرها الندم، ومدى الغضب أو الإحباط المرتبط به، إضافة إلى مدى شعور الشخص بقدرته على التحكم في هذا الندم، سواء عبر تغيير قراره السابق نظرياً أو عبر تعديل نظرته النفسية لما حدث.
وسأل الباحثون المشاركين عن الطرق التي يستخدمونها للتعامل مع هذه المشاعر، وكيف يعتقدون أنهم قد يتصرفون إذا واجهوا مواقف مشابهة مستقبلاً.
كبار السن أقلّ تأثّراً بالندم
أظهرت النتائج أن كبار السن أبلغوا عن عدد أقل من مواقف الندم الحديثة مقارنة بالأصغر سناً، كما كان الندم أقل حدة من الناحية العاطفية.
أمّا في ما يتعلّق بالندم في الماضي، فلم يكن هناك اختلاف كبير في عدد المواقف بين الفئات العمرية المختلفة، ما يعني أن التقدم في العمر لا يمحو بالضرورة الذكريات المؤلمة أو القرارات التي يتمنى الإنسان لو غيرها.
لكن الاختلاف الأهم كان في طريقة التعامل النفسي معها، إذ وجد الباحثون أن كبار السن يشعرون بدرجة أقل من الغضب والإحباط عندما يفكرون في تلك الأخطاء أو الفرص الضائعة مقارنة بالشباب، ويعني ذلك أن مرور الزمن، إلى جانب النضج، قد يخففان الانفعالات المرتبطة بالندم، حتى إذا بقيت الذكريات نفسها حاضرة.
ومن النتائج اللافتة أيضاً أن كبار السن كانوا أكثر ميلاً للندم على "الفرص الضائعة" أو الأشياء التي لم يفعلوها، بدلاً من الندم على أفعال خاطئة ارتكبوها بالفعل.
ويرتبط هذا النوع من الندم، المعروف في علم النفس بندم عدم الفعل غالباً بالتفكير في المسارات التي لم تجرب والقرارات التي لم تتخذ، مثل عدم السفر أو عدم بدء علاقة أو عدم خوض تجربة مهنية معينة.
ويرى الباحثون أن هذه النتيجة تتماشى مع أبحاث سابقة تشير إلى أن الناس مع التقدم في العمر يصبحون أكثر حساسية تجاه الإمكانات التي لم تتحقق، ربما لأن فرص تغيير المسار تصبح أقل مع الزمن.
لكن الدراسة لا تجزم بسبب واحد يفسر هذا التحول النفسي، لكن الباحثين يطرحون عدة احتمالات، منها أنّ التقدم في العمر يمنح الناس قدرة أكبر على إعادة تفسير تجاربهم السابقة والتصالح معها، سواء عبر اكتساب خبرة حياتية أوسع أو عبر التركيز على المعنى الشخصي بدلاً من الشعور المستمر بالخسارة.
وقد يكون للوقت نفسه دور علاجي، إذ تضعف المشاعر الحادة تدريجياً مع مرور السنوات حتى عندما تبقى الذكريات، لكن الباحثين يشيرون إلى احتمال آخر، هو أن الفروق قد لا تعكس تأثير العمر وحده، بل ربما تعكس اختلافات بين الأجيال نفسها، أي أن الأشخاص الأكبر سناً نشأوا في ظروف ثقافية واجتماعية مختلفة أثرت في طريقة تعاملهم مع الندم.
هل للندم فائدة نفسية؟
رغم الصورة السلبية المرتبطة بالندم عادّة، فإنّ علماء النفس يرون أنّه قد يؤدي وظيفة مهمة في حياة الإنسان، فالشعور بالندم يمكن أن يساعد الأشخاص على مراجعة قراراتهم والتعلم من أخطائهم واتخاذ خيارات أفضل مستقبلاً، لكن الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذه الوظيفة قد تختلف مع التقدم في العمر. والندم يفترض عادة أنه يساعد على تحسين القرارات المقبلة، لكن كبار السن قد يحصلون منه على فوائد مختلفة، مثل فرصة للتأمل أو البحث عن معنى أعمق لتجارب الحياة. بمعنى آخر، قد يتحول الندم مع العمر من أداة لتصحيح المستقبل إلى وسيلة لفهم الماضي والتصالح معه.
ورغم النتائج المثيرة للاهتمام، يؤكد الباحثون على أنّ الدراسة لا تزال محدودة نسبياً، سواء من حيث عدد المشاركين أو اعتمادها على التقارير الذاتية للمشاعر والتجارب. كما أنّ الدراسة لا تستطيع تحديد ما إذا كان التقدم في العمر نفسه هو السبب المباشر في تغير مشاعر الندم، أم أنّ الأمر يرتبط بعوامل اجتماعية وثقافية تخص الأجيال المختلفة.
ويأمل الباحثون في أن تساعد الدراسات المستقبلية على فهم أعمق لكيفية تطور العلاقة النفسية مع الندم عبر مراحل الحياة المختلفة، وما إذا كان يمكن استخدام هذه المعرفة لتحسين الصحة النفسية والقدرة على التكيف مع التجارب الصعبة.
الشرق (بتصرّف)